الذهب الذي لا يُوقَف: لماذا قفزت الأسعار من 2000 إلى 5600 دولار
وماذا تقول دورة السيولة عمّا سيأتي بعد ذلك
كان عام 2024. كان الذهب يُتداول بحوالي ألفَي دولار للأوقية، وكان معظم المحللين يصفونه بأنه “مُسعَّر بشكل عادل”. بعد عامين من ذلك، لامست تلك الأوقية ذاتها سعر 5589 دولاراً — رقم قياسي تاريخي سُجِّل في الثامن والعشرين من يناير 2026. هذا ليس خطأً مطبعياً.
في غضون نحو أربعة وعشرين شهراً، تضاعفت قيمة الذهب تقريباً ثلاث مرات. المستثمرون الذين أدركوا ما كان قادماً يجلسون اليوم على مكاسب استثنائية. أما الذين رفضوا الذهب باعتباره “مجرد معدن لامع”، فقد تابعوا المشهد من بعيد. إذن، ما الذي حدث؟ والأهم من ذلك، إلى أين يسير هذا كله؟
الإجابة كامنة في شيء يدرسه المتداولون المحترفون منذ عقود — دورة سيولة الذهب.
في اثني عشر شهراً فحسب، لم يكتفِ الذهب بتسجيل أرقام قياسية جديدة — بل أعاد تعريف ما يعنيه أن يكون سعر الذهب مرتفعاً، مسجِّلاً رقماً قياسياً جديداً كل أسبوع تقريباً طوال عام 2025.
دورة السيولة: القوة التي لا يتحدث عنها أحد
لا شيء من هذا عشوائي. المتداولون الذين يدرسون أسواق الاقتصاد الكلي يعرفون أن الذهب يتبع دورة — كل عشر إلى اثنتي عشرة سنة تقريباً، تنشأ سوق صاعدة كبرى للذهب. ليست مدفوعةً بالطلب على المجوهرات أو الاستخدام الصناعي. بل تدفعها قوة أكبر بكثير: السيولة العالمية.
حين تضخ البنوك المركزية والحكومات الأموال في النظام المالي — عبر خفض أسعار الفائدة والإنفاق العجزي وطباعة النقود — فإن هذه الرساميل الفائضة تبحث عن وجهة. بعضها يذهب إلى الأسهم، وبعضها إلى العقارات، وجزء وافر — لا سيما حين يرتفع منسوب عدم اليقين — يتدفق نحو الذهب. هذه هي دورة السيولة.
المرة الأخيرة التي جرت فيها هذه الدورة بكامل زخمها كانت بين عامَي 2001 و2011، حين صعد الذهب من 250 دولاراً إلى 1920 دولاراً. ثم جاءت سوق هابطة امتدت عقداً، خلالها نسي كثيرون الذهب. الدورة الراهنة بدأت بهدوء نحو عام 2018، ثم تسارعت بشكل درامي عام 2020، حين أطلق وباء كوفيد-19 أضخم توسع نقدي في زمن السلم في التاريخ الحديث.
خمسة عوامل جعلت هذه الدورة استثنائية
تضافرت عدة قوى بين عامَي 2024 و2026 لجعل هذه المرحلة من الدورة قوية بشكل غير معتاد.
التصحيح: ماذا يعني سعر 4650 دولاراً فعلاً
بلغ الذهب 5589 دولاراً في يناير 2026. يتداول الآن قرب 4650 دولاراً. هذا تراجع بنسبة نحو 17 بالمئة من القمة. بعض المستثمرين يشعر بالذعر. المتداولون المخضرمون لا يكترثون.
كلا دورتَي الصعود الكبريَين السابقتَين شهدتا خمسة تصحيحات أو أكثر بنسبة 10 بالمئة في طريقهما إلى الأعلى. هذا التراجع الحالي هو التصحيح الثاني في الدورة الراهنة — ويقع ضمن النطاق الطبيعي تاريخياً لسوق صاعدة معافاة.
هل انتهت السوق الصاعدة؟
هذه هي الإجابة الصريحة: على الأرجح لا — لكن المراحل المتأخرة من أي دورة تنطوي على أعلى قدر من المخاطر.
حققت الدورة الحالية ما يقارب 200 بالمئة من العوائد حتى الآن. كلتا دورتَي الصعود الكبريَين السابقتَين أسفرتا عن عوائد تراكمية تتراوح بين 500 و600 بالمئة. مقارنةً بالتاريخ، قد يكون ثمة مجال للمزيد. جي بي مورغان يتوقع أن تتجه الأسعار نحو 5000 دولار للأوقية بحلول الربع الرابع من 2026، مع إمكانية الوصول إلى 6000 دولار على المدى البعيد.
السوق الهابطة ستأتي — كما تأتي دائماً
ما يخبرنا به التاريخ بوضوح لا لبس فيه هو: كل سوق صاعدة للذهب تنتهي في نهاية المطاف. دورة السيولة التي ترفع الذهب ستنعكس في نهاية المطاف. ستُرفع أسعار الفائدة بشكل ملموس. سيتعافى الدولار. ستنكمش السيولة.
دورة السوق الهابطة بين 2011 و2018 شهدت تراجع الذهب من 1920 دولاراً إلى ما دون 1100 دولار — هبوط بنسبة 43 بالمئة امتد سبع سنوات. تصحيح بنسبة مماثلة من قمة 5589 دولاراً سيكون مؤلماً جداً لكل من دخل السوق قرب القمة.
الدورة لم تنكسر. لكنها تنضج. الصبر، وحجم المركز، والفهم الصادق للمخاطر هي ما يفصل بين المتداولين الذين يجنون الأرباح من الدورات، وأولئك الذين يركبونها فقط ليُعيدوا المكاسب عند القمة.
ماذا يعني هذا للمستثمرين في سلطنة عُمان ودول الخليج
بالنسبة للقراء في سلطنة عُمان وسائر دول منطقة الخليج، للذهب أهمية ثقافية ومالية تتجاوز أطر الاستثمار الغربية. امتلاك الذهب المادي متجذّر في البيوت الخليجية — وهذه الغريزة خدمت الأسر خدمة ممتازة طوال هذه الدورة.
الدرس المستفاد من الفترة 2024–2026 ليس أن الذهب يرتفع دائماً. الدرس هو أن فهم موقعك في دورة السيولة يخبرك متى تحتفظ بما لديك، ومتى تزيد من تراكمك، ومتى تتوخى الحذر من إضافة المزيد عند أسعار مرتفعة.
الذهب الذي كان يُقدَّر بخمسة عشر تريليون دولار في مطلع 2024 يُقدَّر اليوم بثلاثة وثلاثين تريليوناً. بعض هذه القيمة ثابتة هنا لتبقى. وبعضها سيعود إلى السوق الأشمل حين تأتي دورة الهبوط في نهاية المطاف. معرفة الفرق — والتصرف وفقاً لذلك — هذا هو جوهر الأمر حقاً.
ابقَ على اطلاع. ابقَ صبوراً.
راقب الدورة — لا الضجيج اليومي.